الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
90
الاجتهاد والتقليد
من الجهة الثانية مشكوك من أوّل الأمر . وما أشبه هذا الاستصحاب باستصحاب جواز أكل الميتة الثابت عند الضرورة بعد وجدان لحم الحمير المذكّى . وثالثا : سلّمنا ، لكنّه لا يثبت إلّا حكم صورة واحدة لا إجماع مركّب في البين . قال : الدليل الرابع : إنّا نفرض الكلام فيما دار أمره بين تقليد المتجزّي الأعلم والمطلق الغير الأعلم ؛ فإنّ تقليد الأعلم قدر متيقّن ، لذهاب بعضهم إلى وجوب تقليد الأعلم ، وإن نزلنا فلا أقلّ من تساوي الأعلميّة مع الإطلاق ، فيثبت التخيير ، فيثبت جواز تقليد المتجزّي . أقول أوّلا : إنّ ذهاب الأكثر إلى وجوب تقليد الأعلم إنّما هو إذا كان مطلقا ، ودار الأمر بين تقليده وتقليد المطلق الغير الأعلم ، فالقدر المتيقّن هو تقليد الأعلم المطلق لا مطلقا ، ففيما نحن فيه الإطلاق مرجّح لتقليد المطلق . وثانيا : سلّمنا ، لكنّه لا يثبت قاعدة كلّيّة كما هو المأمول في تمهيد قواعد الأصول . وبعد ما قرع سمعك من هذه الأقاويل ، فاعلم أنّ الحقّ عندي : عدم جواز تقليد المتجزّي ما لم تمسّ الحاجة إليه ، كما لو فرضنا في أوّل زمان الغيبة انحصار العالم بمتجزّ ، فنقول : التكليف ثابت والتكليف بالعلم وكذا التكليف بالاحتياط والاجتهاد باطل ، فينحصر أمر العامي إلى تقليد هذا الرجل . والدليل على ذلك : أنّ العمومات الكتابيّة دلّت على حرمة التقليد ، خرج من هذا الأصل تقليد المطلق بالإجماع ، وبقي الباقي تحته إلّا إذا انجرّت الضرورة ، كما في المثال المفروض إلى تقليد المتجزّي ، فإنّ البرهان القطعي حينئذ أيضا يخصّص الأصل ، وفي صورة دوران الأمر بين المتجزّي والمطلق معاضد بقاعدة الاشتغال بالنسبة إلى المتجزّي . فإن قلت : ما تصنع في صورة دوران الأمر بين تقليد المتجزّي الحيّ والمطلق الميّت .